أ.د محمد البيشي
الصداقة هي: علاقة اجتماعية وإنسانية مميزة تربط بين شخصين أو أكثر، وتقوم أساساً على المودة، والمحبة المتبادلة، والثقة. وتُشتق كلمة “الصداقة” في اللغة العربية من الصدق، فهي رابطة تجمع بين الأرواح وتتطلب الإخلاص والوفاء، وقد يساعد في نشأتها التواجد في حيز من الجغرافيا؛ والاشتراك في أداء مهمة؛ أو مرحلة من مراحل العمر، أو حتى محض الصدفة.
ومن خلال التجارب التي خضتها استنبطت بعض الملاحظات والتي يمكن أن تفيد في إدارة هذه العلاقة، وتعظم فوائدها وتقلل من آثار الألم عند إنهائها وتلاشيها ومن ذلك:
(١) أن للصداقة دورة حياة منتظمة: تبدا بالنشأة، ثم النمو، والازدهار، ثم تصل إلى النضج؛ ثم تبدأ بالانحدار التدريجي حتى الوفاة، أو الحياة من جديد، وقد يوجد استثناء ولكن هذا الغالب.
(٢) أن الصداقة حالة قابلة للزيادة والنقص؛ والقوة والضعف؛ وذلك بأسباب الحاجة؛ والانشغال؛ ووجود البديل، والانتقال؛ والتغيير في المكانة والإمكانيات.
(٣) أنه يوجد علاقة طردية بين استمرارها وسبب نشوئها فمثلا تتوارى الصداقة التي نشأت بسبب تجارة أو بسبب بانقطاع السبب. وهي علاقة سببية ولا صحة لمقولة ” بلا أسباب” وقد تجهل السبب ولكن لا يعني أنه غير موجود.
(٤) أن الصداقة مرتبطة بنوع الشخصية حيث تكون أقوى عند الشخصية من نوع “الدائرة” التي تتمحور حول العاطفة والإنسانية وطاقة الحب، حيث تكون الصداقة عند البعض غاية في ذاتها وتكون الصداقة عند البعض وسيلة فقط. قد تندمج الغاية والوسيلة معا.
(٥) أن الصداقة مكون من ثقافة الفرد وثقافة المجتمع وهي تزدهر في الثقافة التي تمجدها وتروي قصصها الناجحة وتشيد بها في أشعارها.
ومن ذلك ما تضمنه الأدب الإنجليزي على سبيل المثال:
Have New Friend and keep the old.
The New is Selver and the old is gold.
(٦) أن الصداقة ترتبط بالعوامل الديمغرافية مثل الجنس واللون والعرق: ويوجد فروق ذات دلالة بين المرأة والرجل وبين الأجناس البشرية من حيث مدة الصداقة ودرجه تماسكها وقوتها، وتوجد ضوابط تنظم علاقة الصداقة بين المرأة والرجل في بعض المجتمعات.
(٧) أن الصداقة ليس لها ارتباط وجودي بطاقة الحب؛ فقد تكون فيها محركات أخرى مثل: تقبل؛ نقاط التقاء؛ استلطاف؛ أهداف مشتركة وهكذا، … لأن الحب مشاعر تتوقد وتنطفئ والصداقة علاقة تدوم وتورث.
(٨) أن الأصدقاء إضافة نوعية ونعمة عظيمة ومن ضروريات جودة الحياة ويحث الخيام في رباعيته على الصداقة قائلا: “صاحب من الناس الصديق الوفي”.
(٩) أن الصداقة مشروع حياة يحتاج إلى الصيانة والمبادرات النوعية؛ وصنائع المعروف، ويحتاج من العناية أكثر من العناية بالزهور من النباتات.
(١٠) أن للصداقة أخلاقيات من مستوى رفيع ويراها الإمام الشافعي ماثله في الصدق والوفاء والإنصاف حيث وردت هذه الأخلاق في شعرة الجميل ونصه:
“سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادق الوعد منصفًا.

