في بيشة، حيث تتلاقى همم الناس على الخير، انطلقت مبادرةٌ تحمل اسمًا بليغًا في معناه، عميقًا في دلالته «من الهدر إلى الأثر» مبادرةٌ تُعيد للأشياء قيمتها، وتُوقظ في النفوس معنى الاستخلاف في الأرض، إذ ما خُلقت الموارد عبثًا، ولا جُعلت النعم لتُهدر ثم تُنسى، بل لتُحفظ وتُستثمَر، في هذه المبادرة تحوّلت بقايا المواد المهملة إلى فرصٍ نابضة بالحياة، وكأن ما كان بالأمس منثورًا على هامش الاستعمال قد عاد اليوم ليُكتَب له قدرٌ جديد.
وقد جاءت المبادرة ضمن مسار الاستدامة البيئية في مبادرات أجاويد، حاملةً رسالةً واضحة: أن المجتمع الواعي قادرٌ على أن يصنع من القليل كثيرًا، ومن الفائض نفعًا، ومن المهمل جمالًا ووظيفة، وهي دعوةٌ إلى أن تتحول ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة رعايةٍ وحسن تدبير، ولم يكن مقصد المبادرة بيئيًا فحسب، بل كان إنسانيًا ومجتمعيًا كذلك؛ إذ تسعى إلى تقليل النفايات الصلبة، والحد من التشوّه البصري في الأحياء، وبث روح المسؤولية البيئية بين أفراد المجتمع.
كما تسهم المبادرة في تنمية المهارات المجتمعية، عبر إعادة تأهيل الموارد بطرقٍ إبداعيةٍ ومستدامة، فتغدو القطعة البسيطة بعد يدٍ مُبدعةٍ عملاً نافعًا أو منتجًا جميلاً، وهنا يلتقي الحس البيئي بالذوق الجمالي، ويصبح الإصلاح البيئي بابًا من أبواب التمكين الاقتصادي والاجتماعي، وخصوصًا في دعم الأسر المتعففة.
وهكذا تمضي مبادرة «من الهدر إلى الأثر» رسالةً حيّةً تقول: إن الأثر لا يُصنَع دائمًا من الجديد، بل قد يولد أحيانًا من بين الأشياء التي حسبها الناس منتهية، وإن المجتمعات التي تُحسن حفظ مواردها هي المجتمعات التي تُحسن حفظ مستقبلها، فطُوبى لبيشة بهذه المبادرات التي تُحيي المعنى والمادة معًا، وتغرس في الأرض أثرًا، وفي المجتمع روحًا من التكافل والبناء.

