تحتفظ منطقة الحدود الشمالية بموروث متجذر في تربية الخيول واقتناء الصقور، بوصفهما من الممارسات التي ارتبطت تاريخياً بحياة سكان المنطقة وبيئتها الصحراوية، قبل أن تتطور هذه الهوايات إلى أنشطة تتقاطع فيها الأبعاد التراثية والثقافية والاقتصادية والسياحية.
وتمنح الطبيعة الجغرافية للمنطقة وموقعها شمال المملكة حضوراً خاصاً لهواية الصقارة، إذ تُعدّ من البيئات التاريخية لممارستها، وتمثل مساراً مهماً لهجرة الصقور والطيور البرية، ما أسهم في استقطاب الصقارين من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، لا سيما خلال مواسم الهجرة.
وتبرز محافظة طريف بوصفها إحدى أبرز حاضنات هذا الموروث، من خلال مهرجان الصقور الذي تحوّل إلى فعالية سنوية تستقطب ملاك الصقور والهواة والمهتمين، وتجمع المنافسات والبرامج الثقافية والتراثية والأنشطة المصاحبة، بما يعزز حضور الصقارة ضمن المشهد السياحي والتراثي في المنطقة.
وعلى صعيد الحرف المرتبطة بهذا الموروث، تشتهر محافظة طريف بصناعة شباك صيد الصقور يدوياً، وتُعدّ هذه الحرفة مصدر دخل موسمي لبعض ممارسيها، وتنشط بصورة أكبر خلال موسم هجرة الصقور الممتد بين سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، لتشكّل نشاطاً اقتصادياً مرتبطاً بهواية الصقارة.
وفي خطوة تُعدّ الأولى من نوعها في المنطقة، نجحت أول عملية لإنتاج الصقور بإشراف فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة الحدود الشمالية، في مسعى يهدف إلى تطوير تربية الصقور وتنظيم عمليات إنتاجها، والحفاظ على سلالاتها وتعزيز الخبرات المحلية في هذا المجال.
وجرت تجربة الإنتاج في مزرعة الصقور بمركز السلطان لرعاية الصقور، التي تضم ثلاثة أنواع تشمل أزواج الحر وأزواج الجير وأزواج الشاهين، وقد نجحت العملية في أزواج صقر الحر بإنتاج 20 بيضة، منها خمس بيضات ملقحة، في تجربة تمثل نواة لتطوير هذا النشاط في المنطقة.
وفي جانب الفروسية، تمثل تربية الخيول واقتناؤها امتداداً آخر للموروث المحلي، إذ يهتم ملاك الخيل بالسلالات العربية الأصيلة ويوفرون لها بيئات مناسبة للتربية والتدريب، إلى جانب المشاركة في الفعاليات والمناسبات المرتبطة بالفروسية.
وذكر المهتم بالتاريخ والآثار خلف جبل الغفيلي لوكالة الأنباء السعودية «واس»، أن هوايتي تربية الخيول والصقور متأصلتان في المنطقة منذ القدم، ولا تزالان تحظيان باهتمام متزايد من أبناء المنطقة والمهتمين بهما، مشيراً إلى أن هواية الصقارة تستقطب محبيها إلى صحاري الحدود الشمالية لقضاء أيام وأسابيع في ممارستها والاستمتاع بالطبيعة.
وأشار إلى أن المناسبات والمهرجانات الرسمية أسهمت في تعزيز حضور هذا الموروث، مبيناً أن الخيل والصقور في الحدود الشمالية «لم تعد مجرد هوايات فردية، بل مكونات حية من الموروث المحلي، يمكن أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المرتبط بالتراث، ودعم الحركة السياحية، وإيجاد فرص جديدة للأنشطة والخدمات المتخصصة».
وتظهز هذه المعطيات تنامي فرص تحويل الموروث المرتبط بالخيول والصقور إلى منتجات وتجارب سياحية واقتصادية، من خلال الفعاليات والمهرجانات والحرف اليدوية والتربية والإنتاج والخدمات المساندة، بما يعزز حضور الحدود الشمالية وجهةً للمهتمين بالتراث والصقارة والفروسية.

