تُجسّد عين زبيدة أحد الشواهد التاريخية على العناية التي حظي بها الحجاج والمعتمرون عبر العصور الإسلامية، بوصفها جزءًا من منظومة مائية متكاملة أسهمت في إيصال المياه إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ويسرت رحلة ضيوف الرحمن في زمن كانت فيه المياه تمثل أحد أكبر تحديات السفر والحج.
وأوضحت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أن عين زبيدة تقع في وادي نَعمان على الطريق بين الطائف ومكة المكرمة، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي أمرت بإيصال مياه العين إلى مكة المكرمة عام (174هـ/791م)، بعدما رأت ما يواجهه الحجاج من مشقة في جلب المياه من موضع يُعرف بـ “الأوجر” أسفل جبل كرا من الجهة الغربية للحرم. واستغرق تنفيذ المشروع نحو عشر سنوات، فيما يبلغ طول قنوات العين الممتدة حتى مكة المكرمة نحو (38) كيلومترًا.
وحظي المشروع بالعناية المتواصلة عبر أعمال الترميم والصيانة وإعادة البناء على مر العصور التاريخية، خاصة في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، إذ أمر بترميمها، وأُنشئت إدارة خاصة سُمّيت “عين زبيدة” لتتولى الإشراف الكامل على العين والآبار التابعة لها وأعمال صيانتها وترميمها.
يُعد المشروع من أعظم المشروعات الهندسية في التاريخ الإسلامي، إذ امتدت قنواته من وادي نعمان شرق مكة المكرمة إلى المسجد الحرام والمشاعر المقدسة. تُعرف خرزات عين زبيدة بأنها قطع حجرية أو فخارية دائرية كانت تُستخدم ضمن القنوات المائية لتنظيم تدفق المياه وربط أجزاء مجرى العين، وأسهمت في المحافظة على انسيابية المياه لمسافات طويلة وسط التضاريس الجبلية المحيطة بمكة المكرمة، مما يعكس دقة البناء والإبداع المعماري للحضارة الإسلامية.
يوثق كتاب “سُقيا زُبيدة وعيناها على مكة المكرمة” الذي أصدرته دارة الملك عبدالعزيز تفاصيل مشروع عين زبيدة التاريخي، إذ يتناول عين حنين، ويعرض مشروع “عرفة – نعمان” الذي اُعْتُمِد عليه لاحقًا، مقدمًا معلومات تاريخية وجغرافية عن المشروعين، إلى جانب وصف قنوات السقيا وخرزاتها وآليات توزيع المياه.
تناول المؤلفان العناية التي أولتها الدولة السعودية لمشروع عين زبيدة منذ عهد الملك عبدالعزيز الذي أمر بترميم العين وإنشاء إدارة خاصة، كما تم تعيين متخصصين لمتابعة أعمالها، نظرًا لأهمية توفير المياه للحجاج وسكان مكة المكرمة.
كما استعرض الكتاب اهتمام المملكة بمشروع عين زبيدة عبر عهود ملوك المملكة، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث حظيت مكة بعناية خاصة في مجالات متنوعة، بما في ذلك توفير المياه العذبة والمحافظة على المواقع التاريخية المرتبطة بخدمة ضيوف الرحمن.
توضح هذه الجهود أن الملك عبدالعزيز أولى عناية كبيرة بمصادر المياه في مكة المكرمة، ولعل “عين زبيدة” من أبرز هذه المشاريع. يُبرز كتاب “شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز” جزءًا من هذه الجهود، مشيرًا إلى تطوير مجاري العين وصيانتها لضمان تدفق المياه، خاصةً في ظل تزايد أعداد الحجاج.
تظهر هذه الأعمال مدى اهتمام الملك عبدالعزيز بالبنية التحتية للحج، وسعيه للحفاظ على المعالم التاريخية التي تتعلق بخدمة الحجاج، مما يجعل عين زبيدة شاهدًا على عناية الدولة السعودية بخدمة بيت الله الحرام. تستمر بقايا عين زبيدة وبعض مكوناتها التاريخية في جذب اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث الإسلامي، لما تمثله من قيمة حضارية وتاريخية تعكس جهود خدمة الحجاج عبر العصور.

