أ.د محمد بن ناصر البيشي
من أنفع استراتيجيات الحياة استراتيجية “فقه الواقع”. أو فهم الحياة بواقعية وبدون إضافات أو توقعات والتصرف وفق الفهم مصحوبا بثقة في أقدار الله ومعجزاته في الخلق.
الْفِقْهُ في اللغة: الْفَهْمُ للشيء والعلم به، وفهم الأحكام الدقيقة والمسائل الغامضة، وهو في الأصل مطلق الفهم، وغلب استعماله في العرف مخصوصاً بعلم الشريعة؛ لشرفها على سائر العلوم،
والواقع: شيء حقيقي أو حقيقة، الأشياء الحقيقية، أو الحقائق، أو الأحداث ككل، ولا يعني الاستسلام وعدم السعي وأخذ الاسباب بل يعني عدم الانفعال والحزن والتضجر.
ومن استقراء الواقع الذي نعيشه اتضح أنه مفيد للإنسان أن يفهم الواقع كما هو وليس كما يريد ومن صور ذلك ما يلي:
(1) ثنائية الخير والشر حيث يوجد في الدنيا أشرار وأخيار “شرواكم” ويوجد حساد وفجار ومتقين وفزاعة وأطياف ممتدة من أنماط السلوك في خط متعرج؛ حتى الإنسان الواحد ذاته قد يكون له أحوال من التقوى والفجور.
(2) أزلية الدوران كما هي دورة الأرض ولا شي يدوم على حاله في الدنيا فالسعادة تزيد وتنقص وتختفي ومثلها الحزن والفقر والغنى. وكما يقول الزندي:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ
مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ
ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
(3) متلازمة الصعود والنزول (Ups and Downs) إذ أن العلاقات الإنسانية والحب والصداقات لها دورة تشابه الدورة الاقتصادية: نشوء ثم ازدهار ثم نضج ثم انحدار وقد تصل لمرحلة التلاشي والانتهاء وقد تعود مرة أخرى وتتفاوت عمر كل مرحلة ولكن هذه حالة تحدث وتتكرر وكما يقول المثل “ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع”
(4) التفاوت في ردة الفعل عند حدوث تحولات في الواقع مثل فقدان المنصب والطلاق والنبذ والإقصاء وانحسار النجومية والإعجاب والحب؛ والبعض يرفض الواقع والبعض يتقبل الواقع والبعض يدير الواقع بتعقل وحكمة. وفق مقولة “نحن عيال اليوم”
(5) استثمار الواقع وتحويلة لمنصبة انطلاق لوجهه أخرى وبتقنيات أخرى تشم منها رائحة فقه الواقع.
(6) الاستفادة من تجارب الآخرين الناجحة مثل استراتيجية الاختفاء في غار حراء ومثل امتثال ألمانيا واليابان لإملاءات المنتصر وشروط إنهاء الحرب. ومثل استراتيجيات الدبلوماسية والتي تتخذها بعض الدول في التعامل مع ما يحدث في غزة والدبلوماسية كما هو معروف فن الممكن.
(7) فهم قضايا الأحوال الأسرية مثل الخلع والطلاق والموت والمرض والخيانة وغيرها وهي تحصل وتحتاج فقه الواقع أكثر من غيرها ويكفي التصديق بأنها تحدث وقد حدثت ولا داعي للصدمات والجلطات بل فهم وإدارة الواقع وفق هدي الرسول والعرف والقانون وفقه الواقع.
والقائمة طويلة ولا معصوم إلا من عصمه الله والله خير حافظ والله خير معين.

