الكاتبة: أحلام أحمد بكري
قارئ العنوان سيندهش من الفعل الناسخ (كُنّا) وسيثني بسؤال: هل نحن الآن مقيدون سجناء أسرى..؟!
أقولها حرفياً وأعنيها عمقاً ومضموناً (نعم) نحن الآن سجناء ومقيدون وأسرى للهواتف النقالة، فقد تم استبدال القيود الحديدية الكلبشات بقيود الأجهزة الذكيّة، وفعليا ذكيّة لأنها قضت على ذكاء مستخدمها وجعلته ُرهينة لها.
حجمت العقول، وأماتت الفكر وأوقفت عملية الإبداع؛ أصبحنا متلقين فقط، مفروض علينا ما تمليه هي من أنظمة، وبرامج وتطبيقات وما تجلبه لنا من أخبار وتفاهات.
كُنّا نحلّق في رحاب القرآن الكريم ونهدأ، ونستمتع بقراءة كتاب ونسعد، ونستمع لمذياع ونرقى، ونتخيّر من تشكيلة القنوات الرسمية ما يحلوا لنا من طرح ونتثقف، ونسامر الأهل، وبضحكات الأصدقاء نأنس، ونقضي الوقت مرحاً مع الأقران والزملاء ونمزح.
أما الآن الكل حاني الرأس والرقبة مقطوعاً عن العالم الخارجي، والآخر رافعاً هاتفهُ مصوراً؛ ضارباً بالذوق العام عرض الحائط، والآخر واضعاً سماعة الأذن متحدثاً عن بعد؛ وقد بعُد عن التواصل الحميم، ودفئ المشاعر في اللقاء الفعلي.
وهناك من فرض على نفسه عالماً خاصاً افتراضياً مع ألعابهِ الإلكترونية تاركاً عالمهُ الخارجي، والآخر يسرح ويمرح داخل برامج التواصل الاجتماعي ويردح بكل غثٍ وسمين، وآخر يبث سمومه الطائفيّة وعصبيتهُ القبليّة وعنصريته المتطرّفة بين البشر ويتفنن، والآخر يخطط في تشكيك العالم من حولهِ عن طريق إشاعاته المغرضة، وهناك من يستعرض تفاهة عقله وفخامة مظهرهِ لجذب الرويبضة من حوله للصعود على أعناقهم الهشّة، ومنهم من يرى في قيود الهواتف حريّة، وتناسى قول ميخائيل نعيمة الكاتب اللبناني:
“ليس من المنطق في شيء أن تتباهى بالحريّة وأنت مُكبّل بقيود المنطق”.
وقول عمر فاخوري الناقد والمفكر اللبناني: “إن لذة الوجود هي في التحرر من القيود”.
إلى متى سنظل رهن الأسر، مكبلين بقيود، ارتضيناها عن طيب خاطر، إلى متى..؟!
(لو ماتت أجسادنا أفقنا).

