الكاتبة: أحلام أحمد بكري
عبارة جذبتني من الوهلة الأولى، واستثارت واستحضرت في ذهني الكثير
ورمتني إلى ملعب العُزلة عن البشر..
تذكرت قول المصطفى ﷺ: (الْمُسْلِم ُ إذَا كَانَ مُخالطًا النَّاسَ وَيصْبِرُ على أَذَاهُمْ ، خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الذِي لَا يُخالطُ النّاسَ وَلَا يَصْبِرُ على أَذَاهُمْ) أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي.
وفي هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن والقيل والقال، وأصبح الحديث فيه له منفذ وباب يسمى (الحرية والرأي الآخر) غير مدركين حجمه أكثر من الصمت، والكل يدلي بدلوه، ورفع الكل شعار النقد للآخر، مُتناسين خطر الحديث الناقد اللاذع على النفس البشرية ومحاذير الغيبة والنميمة في ديننا الإسلامي.
تذكرت حديث رسول الله الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال:
قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟
قال ﷺ: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
إذاً، فالعزلة أجدى وأنفع من كثرة مخالطة الناس غير الضرورية،
أكثر من أن تُحصى أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن وأشهر من أن تُذكر، قول رسول ﷺ:
(إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)
قالوا: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟
قال: المتكبرون. حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة..
(وهل يُكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم؟)
وقوله ﷺ: (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرا أو يسكت عن شر).
(قولوا خيرا تغنموا واسكتوا عن شر تسلموا) رواه الطبراني حديث الرسول مع معاذ ، السلسلة الصحيحة..
إن أكبر مشكلة يقع فيها الكثير من الناس ، أن تطول مجالسهم في غير فائدة، ولربما انقلب شيء منها للغيبة والكلام الذي لا يليق، قال محمد بن شهاب الزهري: (إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب).
وعندما كثرت الفتن في وقت الإمام سفيان الثوري أنشأ يقول:
ما العيش إلا القفل والمفتاح
وغرفة تصفقها الرياح
لا صخب فيها ولا صياح..
فكيف لو أدرك الإمام الثوري هذا الزمن؛ فماذا سيقول..؟!
هنا أُشير إلى مخالطة الناس بحدود معينة كفلها ديننا الإسلامي،
لهم الواجب والصلّة والود والمحبة، فالأقربون أولى بالمعروف، والرسول أوصى على سابع جار، والصديق له الحق، ولكن مراعاة الله فيهم أثناء المخالطة من أخلاقيات الإسلام..
والمحافظة عليهم في غيابهم قبل الحضور.
في العزلة عن البشر نتعلم الصمت وقلّة الكلام ، حتى إذا جالسناهم ؛ لا نتحدث معهم إلا بما يفيد.
وفي ترك مخالطة الناس الزائدة عن حدها الطريق الصحيح لإصلاح القلب، وارتقاء الروح، وغذاء العقل، وتزكية النفس، قال تعالى:(إنّ َفِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللّيْلِ وَالنّهارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الذِينَ يذْكُرونَ اللّه َ قِيامًا وَقعُودًا وَعلى جُنوبِهمْ وَيتفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبّنا مَا خَلقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانكَ فقِنا عذَابَ النّارِ) سورة آل عمران.
يقول ابن عطاء:
(ما نفع القلب شيء، مثل عزلة يدخل بها ميدان فكره).
فلقد صح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (تفكر ساعة خير من قيام ليلة).
والشافعي يوصي قائلا: (استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر).
التربية الذاتية، والرقابة الخاصة على النفس، وتأديبها وصقلها، وتهذيبها مما علق بها من أضرار مخالطة الناس أو الإساءة إليهم، ومحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة، الطريق الصحيح للعزلة المناسبة.
وإنّ جلوس العزلة، من خير أنواع المجالسة للنفس، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب). أخرجه ابن ماجه وصحَّحه الألباني.
يقول وهب بن منبه: (المؤمنُ يخالطُ ليعلمَ، ويسكتُ ليسلمَ، ويتكلم ُليفهمَ، ويخلو لينعُمَ).
فرحم الله السلف الصالح:
إذا سكتوا رأيت لهم جمالاً
وإن نطقوا سمعت لهم عقولا.
إذاً .. (سطّح علاقتك مع الناس تسلّم)..

