أحلام أحمد بكري
حياتنا المُغلّفة بالأقساط، ظاهرة اجتماعية اقتصادية نفسيّة في الآونة الأخيرة انتشرت انتشار النار في الهشيم.
كحدث قديم نستشهد بقوله تعالى في سورة القصص :(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚسَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)آية (27)
تزوج سيدنا موسى من ابنه الرجل الصالح الذي يقال إنه سيدنا شعيب عليهما السلام بالقسط الآجل لثمان سنوات، يعمل عنده أجيرًا في رعي الغنم، وإن أتممها سيدنا موسى عشر سنوات فهذا كرم من عنده.
قبل الحديث عنها كظاهرة نبدأ بحكم الشرع فيها، رأي الفقة الشرعي في البيع إلى أجل معلوم جائز، لعموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الآية [البقرة:282] والأجل المُسمى هُنا في الآية الكريمة هي الأقساط، والزيادة في القيمة مقابل الأجل لا مانع منها، فقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أمر عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يجهز جيشًا، فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل.
المتلمس لظاهرة التقسيط خلال الأربعين عاماً السابقة بدءً من القروض البنكيّة بغرض شراء أو بناء مسكن أو سيارة للتنقل، مروراً بشراء أساسيات المنزل من أثاث وأدوات كهربائية، ثم توسع الأمر ليشمل القروض من أجل التعليم أو العلاج أو الزواج والاستعانة لبناء مشروع تجاري حُر، ومن ثم تقسيط المبلغ بشكل يُناسب المستفيد لأجل يصل إلى أعوام ممتدة من عمر هذا المستفيد، كل ذلك وما زال سابقاً الاقتراض في إطار ضيّق لم يتوسع.
لكن أن يشمل الاقتراض والتقسيط كماليات الحياة كلها من جهاز هاتفك المتنقل الذي في يدك لقنينة العطر التي تستخدمها مروراً بالوجبة التي تأكلها، للنادي الرياضي المشترك به، لورشة السيارة التي تغيّر فيها زيت محرك سيارتك، لملابسك التي تتباهى بها أمام الناس لتذكرة سفرك التي تنتقل بها؛ فهذا شيء مُخيف ومُرعب جداً كظاهرة غير صحيّة، اجتماعياً واقتصاديّاً ونفسيّاً، تُشير إلى أن صرفنا الشهري أكبر من دخلنا المادي وهوسنا الشرائي الاستهلاكي نذير خلل نفسي.
وإن قُلتَ لي يا قارئي العزيز: إن مُتطلبات الحياة كثيرة في هذا الزمن، سأرد عليك: إن متطلبات الحياة هي نفسها منذُ بدء الخليقة، ولكن الخلل في سوء إدارتنا لمتطلبات هذه الحياة.
لهثنا خلف الكماليات وحرصنا على توفيرها، ضاربين بالأساسيات عرض الحائط، تركنا رغبة التملك تتحكم فينا وتسير بنا حيث شاءت، إلى أن أوصلتنا إلى أشخاص مديونين طيلة حياتنا والأقساط تُحيط بنا من كل مكان.
في قديم العهد كان الوالدان يوفران لأبنائهم متطلباتهم الأساسية من أجل توفير حياة كريمة لهم، الأبناء يقدّرون جهد الوالدين ويعيشون بالرضا والتراضي، وإن جنحت الرغبة في امتلاك شيء، يرفع داخل الأسرة شعار “إذا أكملتَ تعليمك من راتبك الشخصي أشتري ما تريد وتحب” وهنا يكمُن التوازن داخل العائلة.
أما الآن في هذا الزمن للأسف أصبح الوالدان يلهثان خلف تحقيق رغبات ومتطلبات أبنائهم الأساسيّة وتغطيتها بشتى الكماليات التي من الممكن تأجيلها لاحقاً، مما جعلهما في حالة دين كامل من الجانب المادي الاقتصادي والضغط النفسي السيء، ألم أقل آنفاً إنه سوء إدارة للحياة الاستهلاكية بشكل كامل..!
قارئي الكريم، من وجهة نظرك ما الحل لهذه الظاهرة التي استنزفت الأفراد والأسر مادياً ومعنوياً..؟

