مع اتساع العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية في عدد من الجبهات، واستعادتها مواقع من قبضة مليشيا الحوثي، دخلت المواجهة بالتوازي مرحلة أكثر كثافة من الحرب الإعلامية، إذ لجأت المليشيا إلى تكثيف نشر مواد دعائية تصور عمليات نوعية وانتصارات ميدانية، في محاولة لتعويض خسائرها على الأرض واحتواء الأثر المعنوي لتقدم القوات الحكومية.
وتزامن هذا النشاط الدعائي مع مواجهات وضربات في جبهات مأرب والجوف والبيضاء وتعز وغيرها، حيث تواجه مواقع المليشيا الحوثية ضغطاً متزايداً، ما دفعها إلى محاولة نقل مركز الثقل الإعلامي بعيداً عن أخبار خسارة المواقع واستهداف تجمعاتها ومنشآتها العسكرية، باتجاه روايات عن «عمليات استراتيجية» وقدرات استخباراتية وصاروخية نوعية.
ومن أحدث هذه المواد مقطع نشره الإعلام الحربي الحوثي في 6 سبتمبر، زعم أنه يوثق استهداف اجتماع لقيادات بواسطة صاروخ باليستي محلي الصنع، من دون أن يقدم موقع العملية أو توقيتها الدقيق أو أسماء القيادات التي ادعى استهدافها، أو أي دليل مستقل على الخسائر المزعومة.
ولا تكمن المشكلة في غياب هذه التفاصيل فقط، إذ تكشف المقارنة البصرية بين مشاهد الفيديو عن اختلافات جوهرية في تضاريس الموقع ومعالمه الثابتة، ما يثير شكوكا قوية بشأن الرواية التي قدمها الإعلام الحوثي.
وأظهرت مقارنة اللقطات، التي يفترض أنها للموقع ذاته قبل وصول المركبات وبعد تنفيذ الهجوم، تغيراً في عدد واتجاه الخطوط الرملية في الجزء العلوي من الموقع، إلى جانب اختلاف واضح في كثافة مسارات المركبات وآثار الإطارات في الجهة اليسرى.
وتبدو الاختلافات أكثر وضوحاً عند مقارنة النباتات والأشجار، وهي من المعالم الأقل عرضة للتغير خلال فترة زمنية قصيرة. ففي الجانب الأيمن من المشهد يظهر اختلاف في عدد الأشجار وتوزيعها والمسافات الفاصلة بينها، فيما يتغير شكل وموقع شجرة أخرى في الجزء السفلي من الصورة مقارنة بالمشهد الآخر.
وتشكل هذه التفاصيل مجتمعة قرائن بصرية مهمة، لأن الرواية الحوثية تقوم أساساً على أن الكاميرا وثقت الموقع نفسه في مراحل متتابعة، بينما تظهر معالم الأرض والنباتات والمسارات اختلافات يصعب تفسيرها بمجرد حركة المركبات في المكان.
ولا تتوقف الملاحظات عند طبيعة الموقع، فالمقطع نفسه يتضمن مؤشرات تقنية أخرى، من بينها ظهور الجسم المهاجم بمسار أقرب إلى الأفقي في المرحلة السابقة للانفجار، وهو سلوك لا يتفق مع الصورة المعتادة للمسار النهائي لصاروخ باليستي، إلى جانب عدم اتساق ظل الجسم مع اتجاه ظلال المركبات والعناصر الأخرى داخل المشهد.
كما يظهر الدخان بعد الانفجار بطريقة تثير تساؤلات إضافية؛ إذ يبرز جزء منه بصورة مفاجئة في أعلى المشهد بدلاً من أن يبدأ بصورة طبيعية من نقطة الاصطدام ثم يتمدد، فيما تبقى المركبات في مواضع شبه ثابتة عقب الانفجار المفترض قبل ظهور تغيرات لاحقة لا تنسجم بصورة واضحة مع التسلسل الفيزيائي للمشهد.
هذه الأخطاء تعزز احتمال أن الفيديو خضع لمعالجة أو تركيب بصري بهدف إنتاج صورة لعملية نوعية أكثر من كونه تسجيلاً متصلاً لضربة حقيقية بالمواصفات التي روجت لها المليشيا الحوثية.
ويعكس المقطع نمطاً أوسع في الخطاب الإعلامي الحوثي منذ بداية التصعيد الحالي، حيث عمدت مليشيا الحوثي ومنصاتها الإعلامية والحسابات المرتبطة بها إلى إعادة استخدام مقاطع قديمة، وأخرى مأخوذة من ساحات صراع مختلفة، بينها أوكرانيا وإيران ولبنان، ثم تقديمها في سياقات توحي بأنها توثق عمليات حوثية جديدة أو إصابات لأهداف استراتيجية.
ويخدم هذا الأسلوب هدفاً يتجاوز مجرد تضخيم النتائج العسكرية، إذ تعمل المليشيا الحوثية عبر هذه المواد على بناء صورة ذهنية لقوة قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة وعميقة، وإخفاء الفجوة بين ما يحدث فعلياً في الجبهات وما تحتاج إليه دعايتها الداخلية للحفاظ على معنويات مقاتليها والبيئة المؤيدة لها.
كما يتكرر في هذه المواد قالب دعائي شبه ثابت يبدأ بالإعلان عن «معلومة استخباراتية»، ثم الحديث عن «قيادات مهمة» أو «هدف استراتيجي»، وصولاً إلى استخدام «سلاح نوعي» والإعلان عن «إصابة دقيقة»، بينما تغيب في كثير من الحالات العناصر الأساسية التي تسمح بالتحقق، من الإحداثيات وأسماء المستهدفين إلى صور الموقع بعد العملية وحجم الخسائر والتأكيد المستقل.
ويكتسب إدخال السعودية في الرواية الأخيرة بعداً دعائياً إضافياً، إذ تحاول المليشيا الحوثية تصوير المواجهة باعتبارها صراعاً مباشراً مع المملكة، بينما تدور التطورات العسكرية على الأرض أساساً بين المليشيا والقوات الحكومية اليمنية التي تتقدم في عدد من المحاور وتسعى إلى استعادة مواقع ومناطق ظلت خاضعة لسيطرة الحوثيين.
وبذلك يؤدي الفيديو وظيفة مزدوجة: صناعة «نصر» بديل أمام الجمهور بعد الضغوط والخسائر الميدانية، وفي الوقت نفسه إعادة تأطير الصراع بما يسمح للمليشيا بتقليل حضور القوات الحكومية اليمنية بوصفها الطرف الذي يتقدم ضدها على الأرض.
وتشير مجمل المعطيات البصرية والتقنية إلى أن المقطع الحوثي لا يقدم توثيقاً موثوقاً للعملية التي يزعمها، بل يمثل نموذجاً جديداً لحرب دعائية تلجأ فيها مليشيا الحوثي إلى صناعة انتصارات إعلامية كلما تصاعد الضغط عليها ميدانياً، في محاولة لمعادلة خسارة المواقع بصناعة صورة انتصار على الشاشات.
https://x.com/ALyemennow/status/2096802539429609736?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E2096802539429609736%7Ctwgr%5E3621c125576981c737e423384ac4be43d58c03e8%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alriyadh.com%2F2205593

