قراءة في دلالات «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»
بقلم المستشار الدكتور / فيصل المطيري
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
سفير الكونغرس الدولي
باحث القانون الدولي جامعة كامبريدج
بصفتي متابعاً للشأن الاستراتيجي الأوروبي والدولي، أرى في توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية — في قصر الصفا بمكة المكرمة يوم السابع من أغسطس — محطةً مفصلية تعيد رسم خارطة التحالفات الأمنية إقليمياً وعالمياً. فهذا التكتل الاستراتيجي لا يقتصر أثره على النطاق الجغرافي للدول الثلاث، بل يمثل هندسة أمنية جديدة تفرض نفسها على المعادلات الدولية في مرحلة يعيد فيها العالم تشكيل توازناته.
الأبعاد الاستراتيجية للاتفاق
معادلة الردع الشامل: ينص جوهر الاتفاق على أن «أي هجوم مسلح على أيٍّ من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً» — وهو مبدأ الدفاع الجماعي الذي يرسّخ دعامة ردع صلبة، تستدعي مقارنةً بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، ويرفع كلفة أي مغامرة عدائية في مناطق التوتر الحساسة. وتكتسب هذه المعادلة صلابةً إضافية من كونها تبني على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقّعتها الرياض وإسلام آباد عام 2025، لتوسّع مظلتها بانضمام أنقرة.
التقاء القوى الكبرى في العالم الإسلامي: يجمع الاتفاق ثلاثة أركان متكاملة؛ الثقل الاقتصادي والروحي للمملكة، والقوة العسكرية والجيوسياسية لتركيا بعمقها الأوراسي والأطلسي (بوصفها صاحبة ثاني أكبر جيوش حلف الأطلسي)، والقدرات النووية والكتلة السكانية لباكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. وينتج عن هذا التكامل قوةُ استقرار إقليمية وعالمية لا يمكن تجاوزها.
التحول نحو الأمن الذاتي: يعكس الاتفاق توجهاً استراتيجياً دولياً متنامياً نحو بناء منظومات أمنية إقليمية قادرة على حماية مصالحها بمعزل عن الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية التقليدية، بما يعزز الاستقرار المستدام وفق رؤية الدول المعنية نفسها.
هندسة التوافق.. ودور ولي العهد
من منظور دبلوماسي أوروبي، يُسجَّل لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوصفه المهندس الفعلي لهذا التوافق نجاحُه في بلورة تفاهماته وتذليل تعقيداته الجيوسياسية على مدى فترة طويلة، وصولاً إلى تتويجها في مكة المكرمة. وقد تجلّت هذه البراعة في ثلاثة مسارات:
الدبلوماسية الهادئة طويلة النَّفَس: بناء جسور الثقة بين عواصم ذات أوزان استراتيجية مختلفة، وتوجيهها نحو هدف أمني مشترك يخدم السلم العالمي — وهو ما لا يُنجَز إلا بمفاوضات صبورة امتدت، بحسب تقارير، قرابة عام.
البراغماتية السياسية: القدرة على تحويل الروابط التاريخية والأخوية إلى أطر مؤسسية وقانونية مُلزِمة للدفاع المشترك، لا مجرد تفاهمات معنوية.
صناعة القرار الاستباقي: استباق التحديات الأمنية برؤية تؤسس لمنظومات ردع تحمي المنطقة والعالم من هزّات الاضطرابات المتتالية.
خاتمة:
إن «اتفاق مكة للدفاع المشترك» ليس مجرد معاهدة عسكرية تقليدية، بل وثيقة استراتيجية دولية تؤذن بميلاد محور جديد للاستقرار، يعيد صياغة مفاهيم الأمن الإقليمي والدولي، ويؤكد أن الرياض باتت مركزاً لصياغة القرارات الكبرى التي ترسم مستقبل الأمن والسلم في المنطقة، بامتداداتها وتأثيراتها العالمية.

