تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا دوليًا للبيانات والذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية المملكة 2030 التي انطلقت برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم واهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” -حفظهما الله-، الذي جعل الابتكار والتقنيات المتقدمة من ركائز التحول الوطني وتعزيز تنافسية المملكة عالميًا.
وانطلاقًا من هذا التوجّه، عملت المملكة ممثلة في “سدايا” على تسخير تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق طموح ترسيخ موقعها كمركز عالمي ضمن الدول الرائدة في هذا المجال، وتعزيز قدرتها التنافسية، إلى جانب التركيز على بناء قدرات وطنية تمتلك المهارات التقنية المتقدمة وتنافس نظيراتها عالميًا.
وجاء إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” بأمر ملكي عام 2019 لتكون الجهة ذات الاختصاص الأصيل بالبيانات والذكاء الاصطناعي، في خطوة جعلت المملكة من أوائل الدول التي أسست كيانًا حكوميًا متخصصًا في هذا القطاع. وعملت الهيئة على إعداد الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الهادفة إلى قيادة التحول الوطني نحو اقتصاد معرفي تقوده البيانات، وتمكين المملكة من ريادة تقنيات المستقبل وتوظيفها لخدمة الأولويات الوطنية وتعزيز التنوع الاقتصادي.
وترتكز هذه الإستراتيجية على ستة أبعاد رئيسية تشمل: الطموح، والكفاءات، والسياسات والأنظمة، والاستثمار، والبحث والابتكار، والمنظومة، ما أسهم في نقل المملكة من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التمكين والتطبيق.
وأسهمت الإستراتيجية الوطنية في تنظيم قطاعات البيانات والذكاء الاصطناعي عبر وضع السياسات والمعايير والضوابط المنظمة لها، وبناء الخبرات الوطنية المتخصصة، واعتماد المعايير المهنية، وتطوير المقاييس والاختبارات والبرامج التعليمية والتدريبية، إضافة إلى بناء وتشغيل البنى التحتية الرقمية والسحابات الحكومية، وتحفيز نمو قطاعات التقنيات المتقدمة وتشجيع الابتكار والاستثمار فيها.
وانعكست هذه الجهود على مؤشرات الأداء العالمية؛ حيث حققت المملكة المرتبة الرابعة عشرة عالميًا في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2025، إلى جانب إحراز مراكز متقدمة في مؤشرات الحوكمة والابتكار وتنمية رأس المال البشري. كما جاءت في المركز الثالث عالميًا في مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وتصدرت عربيًا وإقليميًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد.
وفي جانب الاستثمار، شهد قطاع الذكاء الاصطناعي في المملكة نموًا متسارعًا؛ إذ ارتفع الإنفاق الحكومي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بنسبة 56.25% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023. كما بلغ مجموع التمويل الذي حصدته الشركات السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي نحو 9.1 مليارات دولار خلال العام المنصرم عبر 70 صفقة استثمارية، في وقت تعمل فيه أكثر من 664 شركة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يعزز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني.
وشهدت البنية التحتية التقنية توسعًا كبيرًا في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة؛ حيث ارتفع حجم سعة مراكز البيانات بنسبة 42.4% بين عامي 2023 و2024، إلى جانب إطلاق مشاريع تقنية متقدمة مثل الحاسب فائق الأداء “شاهين 3″، وتطوير مراكز بيانات عالمية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما يجري تدشين أكبر مركز بيانات حكومي في العالم “هيكساجون” مطلع عام 2026 بطاقة استيعابية تبلغ 480 ميجاوات، مع وجود تسع مناطق سحابية في المملكة، من بينها أربع مناطق تحت الإنشاء تُطوَّر من قبل مقدمي خدمات سحابية عالميين، إضافة إلى دمج أكثر من 430 نظامًا حكوميًا في بحيرة البيانات الوطني.
وأولت المملكة اهتمامًا كبيرًا ببناء القدرات البشرية في مجالات التقنية المتقدمة، من خلال برامج ومبادرات متعددة تستهدف تدريب وتأهيل مختلف شرائح المجتمع من الخبراء والمتخصصين والعامة، لسد الفجوة المعرفية وتلبية الاحتياجات الوطنية ورفع الوعي بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وأسفرت هذه الجهود عن تدريب أكثر من 11 ألف مختص.
وفي السياق نفسه، يبرز برنامج “سماي” بوصفه برنامجًا وطنيًا مستقلًا، تجاوز عدد المشاركين فيه أكثر من مليون مواطن ومواطنة، بما يعكس اتساع نطاق التأهيل الوطني ويعزز جاهزية الكفاءات الوطنية للإسهام في بناء اقتصاد المستقبل.
وامتدت جهود المملكة في مجالي البيانات والذكاء الاصطناعي إلى الساحة الدولية في إطار التزامها بدعم الجهود العالمية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة؛ حيث أسهمت في إطلاق مبادرات دولية تدعم الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، وانبثق عنها إنشاء مركز “آيكير” (ICAIRE) الدولي برعاية اليونسكو ومقره الرياض، ليُعنى بأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في تحقيق أثر إيجابي على المجتمعات البشرية حول العالم.
وترسخ المملكة، من خلال مبادراتها الوطنية ومشاركاتها في الشراكات العالمية والهيئات الدولية، حضورها المؤثر في رسم ملامح مستقبل تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي عالميًا، ومن ذلك انضمامها إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي (GPAI) كأول دولة عربية تنضم إلى هذه الشراكة، بما يعكس دورها المتنامي في هذا المجال الاستراتيجي.

