في تطور قانوني غير مسبوق، يقترب العالم من محاسبة قادة الكرملين على قرارهم بشن الحرب ضد أوكرانيا، مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن إحراز تقدم كبير في تأسيس محكمة خاصة للنظر في غزو أوكرانيا، وتُعدّ هذه الخطوة تحولًا استراتيجيًا قد يضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكبار مسؤوليه أمام المساءلة الدولية، وسط ضغوط متزايدة لتحقيق العدالة وإرسال رسالة قوية إلى الأنظمة الطامحة للهيمنة بالقوة.
تحركات قانونية
وأعلنت المفوضية الأوروبية، في وقت متأخر من مساء أمس عن تحقيق اختراق كبير في الجهود الرامية لإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة القادة السياسيين والعسكريين الروس المسؤولين عن غزو أوكرانيا. وأشارت كايا كالاس، كبيرة مسؤولي السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إلى أن بوتين ارتكب “جريمة العدوان” باتخاذه قرارًا بغزو دولة ذات سيادة، مؤكدة أن هذه الجريمة هي أساس كل الفظائع التي تلتها، من استهداف المدنيين إلى تدمير البنية التحتية الأوكرانية، وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية.
ومنذ طرح فكرة المحكمة لأول مرة بعد أيام من الغزو الروسي في فبراير 2022، خاض المحامون الدوليون معركة قانونية معقدة للاتفاق على الإطار القضائي المناسب لمحاكمة القادة الروس. إحدى العقبات الرئيسية كانت مسألة الحصانة، حيث عطّلت المفاوضات لفترة طويلة. وتوصل الاتحاد الأوروبي وشركاؤه مؤخرًا إلى تسوية وسط تقضي بعدم مقاضاة بوتين وكبار المسؤولين أثناء وجودهم في السلطة، ما يفتح الباب لملاحقتهم قانونيًا بمجرد تركهم مناصبهم.
ضغوط دولية
وأحرز هذا التقدم في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لمحاسبة روسيا على انتهاكاتها في أوكرانيا. وقد دعت أوكرانيا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، إلى تشكيل المحكمة بشكل عاجل. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق بوتين بتهمة اختطاف أطفال أوكرانيين، إلا أن صلاحياتها لا تشمل محاكمة جريمة العدوان بسبب عدم تصديق روسيا على معاهدة المحكمة.
وعلى الرغم من أن بعض الدول أبدت تحفظات بشأن جدوى المحكمة، فإن العديد من الخبراء القانونيين يرون أن إنشاءها يشكل سابقة مهمة في القانون الدولي. ويطرح البعض خيار تعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أن ذلك قد يواجه عقبات قانونية وسياسية، لا سيما مع معارضة بعض الدول.
استضافة المحكمة
وفي محاولة لكسر الجمود، عرض مجلس أوروبا، الذي يضم 46 دولة وطرد روسيا بعد غزو أوكرانيا، استضافة المحكمة. وتسارعت المحادثات في ظل ترقب إمكانية عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو ما يلقي بظلال من الشك على الدعم الأمريكي المستقبلي لأوكرانيا. وتسعى كييف وحلفاؤها لضمان استمرار الدعم الدولي، بما في ذلك من دول مجموعة السبع، لإنجاح هذه المحكمة.
وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده لإجراء محادثات مباشرة مع بوتين لإنهاء الحرب، لكنه شدد على ضرورة إشراك أطراف أخرى في أي مفاوضات سلام. وأوضح في مقابلة صحفية أن الأولوية القصوى تظل تحقيق العدالة لشعب أوكرانيا، مشيرًا إلى أن أكثر من 45100 أوكراني قُتلوا، فيما بلغ عدد الجرحى 390000 منذ بداية الحرب، بينما يُقدر عدد القتلى الروس بـ350000.
وفي ظل هذا الحراك القانوني والدبلوماسي، يبقى التساؤل قائمًا: هل ستنجح الجهود الدولية في تقديم بوتين وكبار قادة الكرملين إلى العدالة، أم أن التعقيدات السياسية ستظل حاجزًا أمام تحقيق هذه الغاية؟

